الشيخ الطبرسي

340

تفسير مجمع البيان

كما قال : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) على أن التبقية ليست بواجبة ، وإن علم أنه لو أبقاه لتاب وأناب عند أكثر المتكلمين . ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ) أي : تابوا من الكفر ، ورجعوا إلى الإيمان ، وأصلحوا ضمائرهم ، وعزموا على أن يثبتوا على الاسلام . وهذا أحسن من قول من قال وأصلحوا أعمالهم بعد التوبة ، وصلوا وصاموا ، فإن ذلك ليس بشرط في صحة التوبة . إذ لو مات قبل فعل الصالحات ، مات مؤمنا بالإجماع ( فإن الله غفور ) يغفر ذنوبهم ( رحيم ) يوجب الجنة لهم . وذكر المغفرة دليل على أن اسقاط العقاب بالتوبة تفضل منه سبحانه ، وأن ما لا يجوز تعليقه بالمغفرة ، وأن ما يعلق بالمغفرة ، ما يكون له المؤاخذة به . ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون [ 90 ] ) . النزول : قيل : نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل مبعثه ، ثم كفروا به بعد مبعثه ، عن الحسن . وقيل : نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد والقرآن ، عن قتادة وعطاء . وقيل : نزلت في أحد عشر من أصحاب الحرث بن سويد ، لما رجع الحرث قالوا : نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا ، فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا ، فينزل فينا ما نزل في الحرث . فلما افتتح رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " مكة ، دخل في الاسلام من دخل منهم ، فقبلت توبته ، فنزل في من مات منهم كافرا : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ) الآية . المعنى : لما تقدم ذكر التوبة المقبولة ، عقبه الله بما لا يقبل منها ، فقال : ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا ) قد ذكرنا الاختلاف في سبب نزوله ، وعلى ذلك يدور معناه . وقيل : كلما نزلت آية كفروا بها ، فازدادوا كفرا إلى كفرهم ( لن تقبل توبتهم ) لأنها لم تقع على وجه الإخلاص ، ويدل عليه قوله ( وأولئك هم الضالون ) . ولو حققوا في التوبة لكانوا مهتدين . وقيل : لن تقبل توبتهم عند رؤية البأس ، لأنها تكون في حال الإلجاء ، ومعناه : إنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والمعاينة ، عن الحسن وقتادة والجبائي . وقيل : لأنها أظهرت الاسلام تورية ، فأطلع